أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

160

العقد الفريد

ولما قتل مصعب خرجت سكينة بنت الحسين تريد المدينة ، فأطاف بها أهل العراق ، وقالوا : أحسن اللّه صحابتك يا ابنة رسول اللّه ! فقالت : لا جزاكم اللّه عني خيرا ، ولا أخلف عليكم بخير من أهل بلد ! قتلتم أبي وجدّي وعمي وزوجي ! أيتمتموني صغيرة ، وأرملتموني كبيرة ! ولما بلغ عبد اللّه بن الزبير قتل مصعب ، صعد المنبر فجلس عليه ، ثم سكت فجعل لونه يحمّر مرة ويصفرّ مرة ؛ فقال رجل من قريش لرجل إلى جنبه : ما له لا يتكلم ، فو اللّه إنه للخطيب اللبيب . فقال له الرجل : لعله يريد أن يذكر مقتل سيّد العرب فيشتدّ ذلك عليه ، وغير ملوم ! ثم تكلم فقال : الحمد للّه الذي له الخلق والأمر ، و [ ملك ] الدنيا والآخرة يؤتي الملك من يشاء ، وينزع الملك ممن يشاء ، ويعز من يشاء ، ويذل من يشاء « 1 » . أمّا بعد : فإنه لم يعزّ من كان الباطل معه ولو كان معه الأنام طرّا ، ولم يذلّ من كان الحقّ معه ولو كان فردا ؛ ألا وإنّ خبرا من العراق أتانا فأحزننا وأفرحنا ؛ فأمّا الذي أحزننا ؛ فإن لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه ، ثم يرعوي ذوو الألباب إلى الصبر وكريم الأجر ، وأمّا الذي أفرحنا فإن قتل مصعب له شهادة ولنا ذخيرة . أسلمه الطّغام « 2 » ، الصم الآذان ، أهل العراق ، وباعوه بأقل من الثمن الذي كانوا يأخذون منه ، فإن يقتل فقد قتل أخوه وأبوه وابن عمه ، وكانوا الخيار الصالحين ؛ إنّا واللّه لا نموت حتف « 3 » أنوفنا كما يموت بنو مروان ، ولكن قعصا « 4 » بالرماح وموتا تحت ظلال السيوف ، فإن تقبل الدنيا عليّ لم آخذها مأخذ الأشر « 5 » البطر « 6 » ، وإن تدبر عني لم أبك عليها بكاء الخرف الزائل العقل .

--> ( 1 ) سورة آل عمران الآية 26 . ( 2 ) الطّغام : أرذل الناس وأوغادهم . ( 3 ) مات حتف أنفه : أي مات على فراشه . ( 4 ) مات قعصا : أصابته ضربة أو رمية فمات مكانه . ( 5 ) الأشر : البطر والمستكبر . ( 6 ) البطر : الذي غلا في المرح والزهو .